السيد عبد الأعلى السبزواري

132

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

لإخراجهم من ظلمات الضلال إلى نور الهداية والإيمان . الثاني : قد ذكر سبحانه لفظ الكثرة في الفريقين ، مشعرا بأنّ المهتدين كالضالين في الكثرة ، مع أنّ الطائفة الأولى هم الأقلون عددا . والوجه في ذلك أن القلة والكثرة إضافية فتصح الكثرة بالنسبة إلى ملاحظة شيء ، والقلة بالنسبة إلى شيء آخر ، فالمهتدون وإن قلوا عددا لكنهم أكثر نفعا وأجل فائدة . الثالث : أثبتت الآية المباركة أنّ وراء الضلالة والهداية الاقتضائية في الذات هداية وضلالة تحدثان بحدوث ما يطرأ من الأسباب وتتجددان بذلك ، ولذا قالوا : إنّ الضلال والهداية يتجددان بتجدد الأسباب والزمان . بحث كلامي : هذه الآية الشريفة مفتتح آيات الكتاب العزيز في الجبر والتفويض فلا بد من البحث فيهما ليمكن إرجاع سائر المواطن اليه . فنقول ومن اللّه الاستعانة والاستمداد : إنّ شبهة الجبر والتفويض لم تكن حادثة في الإسلام وإنّما هي قديمة بقدم الإنسان وترجع إلى أوائل الخلقة ، كما يظهر من مخاصمة إبليس مع اللّه تعالى ، فكل من يعتقد بمبدإ غيبي مؤثر في العالم يمكن أن تتولد فيه هذه الشبهة ، وقد قال علي ( عليه السّلام ) : « عرفت اللّه بفسخ العزائم ونقض الهمم » . وفسخ العزيمة إنّما وقع من عهد أبينا آدم ( عليه السلام ) فأصل الشبهة من ذلك الحين وإنما تطورت بمرور الزمن فدخلت آراء وشبهات أخرى وبلغت حدا بعيدا من البحث حتّى أفردت لها كتب ورسائل . وكيف كان فالأفعال الاختيارية الصادرة من الإنسان يحتمل فيها وجوه : الأول : أنّها صادرة بإرادة اللّه تعالى واختياره فقط وان العبد بمنزلة الآلة الجمادية وأن الإنسان وفعله مخلوقان للّه تعالى وهذا هو الجبر . الثاني : أنّها صادرة من العبد وباختياره فقط ، ولا دخل فيها للّه تبارك وتعالى ، وهذا هو التفويض . الثالث : الأمر بين الأمرين والمنزلة بين المنزلتين فيكون لكل واحد